الثلاثاء، 3 يونيو 2008

خالد البدور


جهة الشرق

القمر
أمام طاولتي
صعَدَ اعلى الجبل
شأُشفى
بهواء
يهبُّ من جهة الشرقِ
بزجاجة ماء
ونصفِ تفاحةٍ
جئتُ.


قبل وصولي
بحقيبةً ملئ كُتُباً
سألتُ
أي الدروب أسلك
المطارات مزدحمةٌ
مثلَ رأسي
وتشابهت أمامي الجهاتُ
منذُ تَنفُس الصباح حتى الثامنة مساء
مضيتُ فاراً من مدينتي
ثم وصلت.


أقول، فيما أجلس وحيداً
أمام طاولة الليل
هواء الشرق
سيجفف الحزن
بالهواء وحده
سوف أشفى.
كل العالم
حين كانت كثبان الرمال
تنامُ خلفَ جدار منزلنا
كان صفير الرياح يوقظنا فجراً
وقتَ يمر بين أغصان النخيل الشاهقة.


رَطِبٌ التراب
يهبطَ الندى مطراً ناعماً ليلاً
ويبقى الضباب حتى الضحى
ساحرٌ العالم
حين تقفل المدراس أبوابها
فنركض نهاراً
نـَغـْمُرُ اجسادنا
بهجة البحر
طوال الساحل نجري
كل شيء لدينا
وطوال الصيف
لنا الكثبان
باقية خلف بيتنا
والعالم
كل العالم
كان لنا.



بهجة

من أمطار ٍ
جلبتها الرياح طوال ستة أشهرٍ
إرتوت
إرتوت طويلاً
حتى احمَرَّ قلبُها
الفاكهة
الفاكهة التي أبهَجتني صباحاً.

أحمد راشد ثاني

ورقة السرير
اتصلت بي ميري، العاملة في بيت أمي في خورفكان وقالت بما معناه:

أمك سقطت

اتصل الجيران أيضاً.

ماذا حدث؟

البارحة فقط تكلمت معها وكانت “طبيعية”. قلت ذلك لنفسي، رغم انني وفي زياراتي الأخيرة لمست ان “الوالدة” توشك على هاوية “التخريف” البيضاء.

ففي أحد اتصالاتي بها لم تكن لتميز مَنْ المتصل حقاً. تسهو عميقاً لكنها كانت سرعان ما تعثر على يقظتها الحادة. فأمي، على الأقل كما انظر اليها من خلال هذا السطر، وضَعت حَجَرة في رأسها، وطوّعت الوجود ليُفكر من خلالها، وكيف تُفكر تلك الحَجَرة في الرأس. لكن الحَجَرة الآن على الحافة.

واتصال ميري والجيران، رغم ذلك، لم يكن متوقعاً:

ماذا حدث؟

سألت فقيل لي:

تعثرت بالدّكة الصغيرة أمام باب المنزل (الشعبي) فأغمي عليها ونقلناها إلى المستشفى.

هرولت بالسيارة إلى خورفكان، وحين دخلت عليها الغرفة صُدمت.

الشراسة والقوة الداخلية وذلك الحَجَر المتفاقم في الرأس يتحول إلى مجموعة من العظام الجافة تحت جلد معقد كجلد أفعى أصفر.

* كل هذا يحدث من جلطة؟

الجلطة ليست بعاصفة. ليست بالمستر جونو الذي كاد يمحو السواحل قبل أيام.

العُمر ربما، على الرغم من انها لا تزيد على السبعين عاماً، جوع الطفولة والفقر والحرص والكدح المتواصل ربما. عدم الايمان بالطب الحديث والولاء المطلق ل “اليعدة” (عشبة جبلية) والوحدة ربما هو ما حوّل هذه الطاقة الجبارة التي لا تكل ولا تمل إلى جسد ضئيل ملقى على سرير في هذا المستشفى.

الشق الأيمن من الرأس واليد والقدم أصابها الشلل. انها فاقدة للذاكرة غائبة عن الوعي، السيدة: فاطمة راشد عبود.

فاطمة عبود والدتي والتي حاولت ومنذ مقتل أبي أن تأتي للسكن معي في أبوظبي، وهي ترفض:

ماذا أفعل؟ أنا أعمل في أبوظبي، المكان الوحيد بعد تجربة مريرة الذي من الممكن أن أعمل فيه ويُسدي لي راتباً.

في رقبتي رغباتي وأولادي وهي. وهي أي فاطمة عبود ترفض على الدوام هذا الاقتراح وتقول:

مات أبوك في هذا المكان. لن يُغلق أحد باب هذا البيت وجدك مات هنا أيضاً.

تقصدين سقط مع حماره في البئر.

من قال لك ذلك؟

أحدهم

كاذب

آخر قال: ان جدي داسه حمار أو رمحه، لا أدري، فسقط في البئر

انه كاذب أيضاً، جدك هو راشد بن عبود.

ألا تعرفين انني الوارث الوحيد لأبي، وبما انني ابنكم الوحيد فأنا الآن يا أمي العزيزة ولي أمرك.

أنتَ ولي أمري يا....

لن أغضب طبعاً. فأنا معتاد على وقاحة أمي “العذبة”، بل وأبادر بالقول:

.. والغنم يا أمي؟

بإمكان أمي قتلي لمجرد ذكري لمفردة غنم (لعلها كرهت نظرتي السلبية لكائناتها الأليفة تلك).. من متى وأمي مولعة بالغنم؟ دعوني أتذكر، فالذاكرة تفيد الكتبة.

سمعت انه وبعدما ولدتني، وكان أبي يعمل “سفّاراَ” (بحاراً في الرحلات الطويلة)، رمتني أمي على الجارات منصرفة لإدارة ذلك “الحوش” الواسع “حوش” طفولتي والاهتمام ببقرة.

البقرة وقتها كانت امتيازاً، ومن يمتلك بقرة كمن يمتلك شركة عقارية ضخمة هذه الأيام.

لم تأت هذه الحكاية على ذكر الغنم، لكني أستطيع إدخالها في الروي ببساطة. الغنم والدجاج.. “لصوص البيض من أشهر اللصوص في طفولتي”.

كم عمر ذاكرة الإنسان؟ بعضنا يدعي انه يتذكر لحظة ولادته، أو حتى ما قبلها. أنا واحد من هؤلاء الأدعياء. وفي لحظة ما من طفوتلي أتذكر بأن الأغنام تكاد تكون من شقيقاتي في ذلك “الحوش” الواسع. تنام صغيراتهن معي على الفراش ان وُجد وانا طفل. أنا الذي لا أتذكر انني ارتويت من حليب أمي ولا حتى من الحليب المعلب، كبرت على إرضاع يتيمات الأغنام بالمراضع البلاستيكية وتلك الحَلمات الاصطناعية التي لم تنفق عليها طفولتي أنا شخصياً أي لعاب.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فمن “أشغال” طفولتي “الشاقة” الذهاب بتلك الاغنام كل صباح إلى ذلك المرعى القاحل وتوفير الحشائش والمزروعات الطازجة لموائدها العامرة. وما كنت اعتبره عذاباً كان يعتبر من قبل عائلتي الصغيرة واجباً وكان هذا الواجب ملقى على رأسي، فأنا للمصادفة الصعبة والمدهشة ابنهم الوحيد ووارث أو من ينبغي عليه أن يرث كل هذا.

واجب، أجل. إذ كثيراً ما يخطر في ذهني ان أمي من “عبدة” الأغنام المهددين بالانقراض. الاغنام كانت تُعبد في الجزيرة العربية قبل الاسلام، وحين ظهر الاسلام غير عالم التاريخ وتاريخ العالم كثيراً. لكنني أظن ان هذا الدين العظيم كان تغييره لعالم المنطقة التي ظهر فيها، أو في منبعه كما يقولون، كان أقل من ذلك بكثير. وهذا القليل أو اللا كثير لحق أمي في أحد ثغور هذه الجزيرة، أو شبه الجزيرة الشاسع، ثغرنا هذا.

والناس تغيروا كثيراً حتى في خورفكان، لكن أمي، كما اظن، احتفظت ببضعة أو حزمة أو “وقار” من التثبيتات النفسية “لاحظ أيها القارئ العزيز انني أنا الابن العاق أحاول هنا تحليل أمي” لعل بمستطاعي ذكر بعضها:

1- أية طفولة عاشتها أمي؟ هل بإمكاني تخيل طفولتها؟ لأحاول.

لنفترض ان دواب الأرض المهجنة مع كون البحر المخيف “والمغري مع ذلك” وبضع قطرات من المطر تمن عليهم بها السماء. فقط. هذا فقط. ما يكوّن الحياة وما يمحيها في الآن نفسه. الانسان هنا كان يتشبث بالوتد لأنه لا يعرف إذا ما هبت الريح الى أي ظلام يطير. هل يفتقد الى حس المغامرة؟ لا حياته بحد ذاتها مغامرة. اذن فلنفترض ان امي ولدت في هذا التنور، وعاشت طفولتها بين نيرانه، فما الذي يا ترى سيبقى من الانسان بعد شواء الوجود هذا؟

2- سيتبقى الانسان المصارع أبداً من أجل البقاء، أليس كذلك؟ سيتبقى ظل الشجرة حيث زرعت الطمأنينة، وستتبقى الريح التي تهدر دم الشجرة أمام الجميع. ستتبقى السكين، شخصية السكين، وستتبقى حقيقة اننا نعيش على موت الآخرين. أو كيف نعيش؟

هل يترك شواء الوجود اعماقاً؟ يترك آباراً مطمورة ولم تكن أمي للأسف من البنان الجميلات كي تخرج على الأقل من التنور بأقل ما يمكن من الحروق. كانت من البنات اللواتي اخلصن لحقيقة الحياة المرة، حقيقة التراب المرة. ولم يكن لديها في مواجهة المجهول إلا أمران: أسرة كبيرة تعتقد انها من “سادة” المكان، العم “البطل”: صاحب القلعة والنواخذا، وجدي الشاحب “أتخيله ظل البطل أو اقصر بقليل”، وانتظار رجل يتزوج من هذه التركة.

3- الرجل سيأتي ولكن ليس من جموع النقبيين المتناسلين بين البحر والجبل في هذه المنطقة منذ قرون، وانما بحار القت به الأمواج على ساحل خورفكان.

لعل القدر لا يقصد شيئاً. فمن تصبه تميته، لكن من تصبه تحييه كذلك. “خبط عشواء” أجل، ولكن من رصد “الخيط” في ذلك “الخبط”؟ “خبط” كان ما اتخيله حين قضى أبي اجازته من السفينة. فالسفن الذاهبة الى غمار البحار التي تفصل الخليج عن الهند أو افريقيا، أو العائدة، كثيراً ما كانت تعتقد بذلك الجون الصغير الذي كانت تضمه خورفكان كمكان مفضل لإراحة السفن والبحارة وإصلاح ما اعطبته الأمواج فيها.

و”خبط” كذلك ان يفكّر بحار من هؤلاء البحارة بالزواج في مثل هذه الاستراحة القصيرة وأن يعثر على أمي بالذات من بين كل رمال العباءات السوداء في خورفكان.

4- حين أتى ذلك الرجل لم تترك أمي أية فرصة للفرصة كي تهرب منها. قبضت على ذلك الرجل كما تقبض جبال خورفكان على خورفكان، وكما تتوهم الأمواج بأنها قابضة على الهواء.

وكان ذلك البحّار يحمل إزاره على كتفيه ويرحل مع السفن، للغوص أو للأسفار. أما هي فقد فرشت سيطرتها على بيت الزوجية، وربت البقرة والغنم والدجاج، وحملت حصاة الغياب بين ضلوعها حتى انني كنت كثيراً ما أسمع قرقعة تلك الحصاة في أناشيدها الغامضة التي كانت ترفعها لإله الرياح، لا تدري أي انسحاق ذلك الذي يجعلك تتحلى بما يُسمى ب “حس المسؤولية”، لكن بالنسبة لأمي، يبدو لي، ان ذلك الحس الغيبي والصارم كان قد انتابها قبل زواجها، أو حتى قبل طفولتها التي لم تحدث.
----------
2

انجبت أمي من ذلك البحار الذي لم يعد عابراً ثلاثة ابناء: الأول مات والثالث مات. وكنت أنا الثاني بين الموتى، متوسط الموتى، ومتحمل تبعاتهم.

ولقد بقيت أنا وأمي في ذلك البيت الواسع لست هنا لاحكي عن وحدتي، أو عن علاقة أمي بي. أنا هنا لاحكي عنها هي وكنت دائماً ما أتساءل: يا ترى ماذا لو كانت هذه الأم لديها أكثر من ابن؟ لديها ابنة أو أكثر؟

اظنها كانت ستعيش بشكل مختلف عن الحياة التي عاشتها. ماذا لو بقيت تعيش بين اسرتها ولم تختطف أبي الى الحي الجديد الذي سكناه؟ هل كان هذا سيغير من التحفز والنظرة العدائية التي اتخذتها دائماً من العالم؟ أم أن هذا التحفز والحرص من الاستعدادات التي يتخذها الانسان في البيئة التي عاشت فيها أمي، أي انسان، في مواجهة ذلك الوحش الغامض الواقف على باب الوجود.

كل هذه الاسئلة لا جدوى منها. لقد ملأت أمي البيت بالحياة لكن ملأته أيضاً بالوحشة، وحين عاد أبي واستقر نهائياً في الخور حولته الى ألعوبة في رأسي وحولتني الى مزرعة لتطبيق الأوامر حتى هربت وتركتهما يتشاجران حول الأشجار.

وفي أحد الأيام وبينما كانا عائدين من مهمة تتعلق بالأغنام اصطدمت بهما سيارة مسرعة ومزقت أبي الى قطع تناثرت في حضن أمي. في العمق تغيرت أمي من ذلك اليوم، ولكن التحفز والحرص وتلك الشراسة لم تتغير.

نظرها كان يضعف وتشيخ، وحتى قبل شهور بدأ الخرف وتقطع الذاكرة يظهر واضحاً في كلامها وتصرفاتها. لكن عين العيش مفتوحة على آخرها، وكنت أراها تزحف على الطرقات أحياناً إذ لا شيء يمكن أن يمنعها من زيارة جاراتها والتشاكس معهن. وظل تصوري هذا عنها حتى اتصلت ميري وقالت بما معناه: أمك سقطت.

الآن هي ملقاة على سرير المستشفى ككيس صغير من الجلد. وهبت عائلتها الصغيرة وجاراتها وتجمعوا مع اطفالهم واحفادهم ودلال القهوة حولها. يغفرون لهذه العصية التي ذابت ما سببت لهم من صداع، ويتبارزون على الأقل كلامياً في ابداء اخلاق صلة الرحم والجيرة.

إني لأحس بالموت يقترب وهذه المرة ايضاً من نقطة حساسة في حياتي:

ماذا يفعل الانسان لو ماتت أمه؟ هل يتألم ويبكي كما يحدث أحياناً عندما يفاجئه موت أحد اصدقائه الاعزاء أو ابوه؟ أليس موت الأم “فراقاً” مختلفاً؟

ولكنها ايضاً ستموت كما مات وسيموت الجميع. إنه الموت يا صديقي. الموت الذي زارني هذه السنة أكثر من مرة وأخذ معه أصدقاء عدة، وذهب. هل يريد الموت أن يقول لي شيئاً؟ لا مانع عندي أنا مستعد للجلوس والتحدث معه كما يريد. عن ماذا يريد أن يتحدث مثلا؟ عن الحياة؟ الحياة جميلة جداً أيها الموت. عن الطبيعة التي تموت وتحيا كل يوم، بل كل لحظة، بل كل ثانية؟ عن روحي التي تموت أبداً؟ عني أنا الذي هربت من الموت فوجدتني ابحث عنه في كل نظرة، أحياناً اجده مختبئاً تحت طاولتي يقرأ المستقبل، أحياناً اجده ضاحكاً في المرآة أو ظلا على حائط الآخرين، أو ديكاً على جدران العمر، أو قمزاً في العين.

كما وسأسأله ايضاً: كيف حاله مع هذه القراءة المعممة والساطية المنتشرة في مجتمعاتنا، وخاصة هنا في خورفكان: كيف يموت المرء في خورفكان هذه الأيام؟ كيف بإمكان الموت أن يموت؟

حتى تلك المرأة الجاهلة وزوجها الغبي تحجبا، حتى الشوارع تحجبت، حتى الجبال. حتى البحر، المستشفى كذلك تحجب.

الممرضة السمينة منقبة، الآيات والأدعية تملأ الجدران وبدلاً من كتيبات ارشاد المرضى وضعت في الاجنحة كتيبات أخرى، فكرت: إنها من الكتيبات التي تسرع أو على الأقل تساعد على الموت بينما كل المرضى يتمنون لو يخرجون من عذاب هذا المستشفى في الصباح المبكر من الغد.

عرفت أن ادارة المستشفى اتفقت مع متجر لبيع التسجيلات والكتيبات لتحقيق هذا الهدف “الصحي” النبيل، وبالتالي الحصول على أكبر كمية من الحسنات إضافة الى الراتب.

هذا ما يحدث هنا في خورفكان حيث يكاد الجميع أن يعد كم جنى اليوم من حسنات، لكني اظنهم لا يحسبون، أو يخطئون كثيراً، أو يريدون أن يخطئوا، أو لا يستطيعون إلا أن يخطئوا عند عدهم للسيئات. يأتي أحدهم للمستشفى ليزور أكبر كمية من المرضى كي يربح أكبر كمية من الدرجات. وعندما ينتهي موعد الزيارة يعود ممتناً الى البيت، فلقد اضاف الى رصيده اليوم ما هو مقنع. وكلما ازداد عدد المرضى ازداد هذا الرصيد. إنه لا يحتاج الى الاصحاء، فمجرد السلام عليهم يكفي. وحسنة السلام عليهم اضعف بكثير من السلام على المرضى. إنهم “صندوق” لا يغري بالاستثمار. وعلى طارئ الاستثمار تخيلت هذا الشخص وهو جالس في بيته قبيل النوم ويفحص رصيده، ثم لا ينسى وهو في هياج الحساب هذا أن عليه فحص رصيده في البنك كذلك فيحتار بأي رصيد يبدأ، هل برصيد البنك أم بحساب الآخرة؟ وفي الأخير يقرر ان يترك حسنات الآخرة الى ما قبل النوم مباشرة والبدء برصيد البنك.

الانسان بحاجة الى رصيد البنك خاصة في هذا الزمن الذي تكاثرت فيه علامات الساعة، هو حقيقة بحاجة الى كل فلس، فكما يقول المثل الصالح لكل زمان ومكان “من ليس لديه فلساً فلا يسوى حتى “آنة””، أو هكذا يقولون.

رصيد البنك حساب الدنيا والحسنات رصيد الآخرة، لذلك فالنقود قذرة، ولكنها من افضل أنواع القذارة على الاطلاق. انها القذارة التي لم يتخلص منها حتى أكثر الناس أليس كذلك؟

بهذه الطمأنينة يختم صديقنا المؤمن هذا حديثه مع نفسه “انني هنا اتلصص على داخله من شباك الفكرة”، وبرضا لا حد له سينام هذه الليلة، ورصيده في البنك يرتفع، أما الشكر فلن يكون إلا لله وحده. لطاوي الأرض ورافع السماوات.
-------
3
في تلك الأيام كنت اقطع الطريق بين أبوظبي وخورفكان أكثر من مرة في الاسبوع، وحين أصل بعد الظهيرة الى هناك أجد “عائلة” أمي وجاراتها قد اجتمعن حولها بأولادهن وبناتهن واحفادهن ودلال القهوة، سلالة جديدة تكبر، ولاتفة الأسباب، من هذه العائلة النقبية الكبيرة وجوه أراها للمرة الأولى، ووجوه لم أرها منذ سنين عديدة، ووجوه ضائعة بين الذاكرة والنسيان.

هنا وهم يحيطون بجسد “خالتهم” الكبيرة المتضائل لا يتحدثون عن الموت. وانما عن الحياة، عن تلك الأضواء المغرية التي تصدر حتى من اكثر افواه الحياة تفاهة. وحين يحملون رضّعهم ودلالهم ليخرجوا يتركون غرفة المريض للوحشة التي ترسمها الدقائق على النوافذ ولدلع الممرضات.

الممرات تبدو مريضة ايضاً حين اتبعها واخرج بعد الغروب بقليل. لربما التقي بصديق ونجلس حول طاولة السهد نحتسي الهواء، أو أكون متعباً فأحمل كيساً من الطعام وأذهب الى بيت أمي الذي غدا مهجوراً، اسقط على تلك الأفرشة التي استوطنها الغبار وأفكر الى متى ستستمر بملاحقتي عيون اللعنة.

أمي انتهت، وعلى ما يقولون فإنه من الصعب ان تتحسن، ثم وإذا ما تحسنت فإن ذلك لربما يحدث ببطء وعبر شهور.

ويقول من يقول إن مثل هذا التحسن من الصعب حدوثه في مستشفى الخور، تحتاج الوالدة الى عناية خاصة. يقول من يقول.

عليّ إذن نقلها الى أبوظبي وبأسرع وقت. ولكن كيف يمكن نقلها؟ اسأل إدارة المستشفى. قال من يقول. ذهبت الى إدارة المستشفى فقالت لي: نحتاج الى ورقة من المستشفى الذي ستنقلها إليه. كيف يمكن استخراج هذه الورقة؟ قال من يقول: لا تستخرج بسهولة اذهب الى أبوظبي واستخدم كل مواهبك فلعلك تنجح. يا ترى ماذا يقصد من يقول بمواهبك؟ مواهبي. فهمت، ولكنني لا املك أية مواهب من هذا النوع، لكني سرعان ما تذكرت أنني أعرف شخصياً بعض رؤوس الهرم في وزارة الصحة.

اتصلت بأحدهم، بأكبرهم. تلقى اتصالي بود شديد ومزح معي ووعدني بالتصرف. انه لم يتغير، قلت في نفسي، وحينما عدت لاختبئ في بيت أمي تلك الليلة لم استطع النوم وظللت أسبح في المياه الآسنة لبرميل التعب. وقبل ان يخرج الصباح من باب الليل كنت واقفاً بدشداشتي المعذبة على مدخل المستشفى انتظر هاتف الوزارة يرن بعد قليل في احد المكاتب فيقف المستشفى لتحيته ويحمل أمي على المحفة البيضاء الى سيارة الاسعاف التي أراها منطلقة خلفي الآن، ناهبين الطريق الى أبوظبي، الى حيث سترتاح أمي وارتاح.

حقيقة قبل ذهابي للوقوف على مدخل المستشفى مررت على مطعم كالكوت. فلقد تعودت المرور على هذا المطعم صباح كل يوم من الأيام الكثيرة التي صرت أقضيها في خورفكان. أحياناً وحدي وأحياناً مع أحد الأصدقاء نأكل أو نستمتع بأكل البراتا والكيما، أو البراتا والدال:

- اليوم “دالك” يا حاجي ليس بطيب.

يقول صاحبي وأصدق حنينه. فهذا هو اكثر من مطعم قريب من الميناء في خورفكان، اكثر من مطعم في السوق القديمة.

منذ عقود فتح هذا المطعم بابين: واحداً يطل على شارع السوق. على ذلك الشارع الذي كان حياً ذات يوم، وباباً آخر على مبنى البلدية.

ولقد ظل الشارع يحتضر لسنوات فيقضي الباعة، من أهل البلد أو من غيرها، ساعات في دكاكينهم ذات الأبواب الخشبية والتي بدأت تملأ زواياها العناكب، وهم ينتظرون فرجاً لن يأتي حتماً، أو يتلهى “نواطير” البلدية (عمدتهم ابن خالتي) وحراس السوق المحتضرة مع مجموعة من الأفاقين والسفلة والمجانين ومتقني فن “الشلخ” (هل نسميه كذباً؟) الأفذاذ. يتلهون على طاولة هذا المطعم تارة بلعب الورق أو الدومنة، وتارة أخرى في اللعب بالكلام.

ثم لن ننسى ان هذا المطعم اكثر من مطعم قريب من الميناء. اكثر من مطعم في السوق، إذ تعلوه بضع غرف كان صاحب المطعم يؤجرها للبحارة، ولمغني “أم علاية” الذين خرجوا من الأعراس فجراً بكامل قيافتهم ولكنهم ضلوا العودة الى الباطنة هذا المساء، ولأؤلئك الذين لا يحتاجون الى مبرر كي يناموا في أي مكان كان، وكان صاحب المطعم يطلق على ملاجئ التائهين تلك تسمية “فندق”.

“فندق/ مطعم”، تجلس على إحدى طاولاته فينتفخ في فمك لبان الطفولة القذرة. “فندق /مطعم”، ما زال حياً برغم موت السوق، ويتنفس مع البحر.

أسمع أنا صدى هذه الأنفاس بينما تُغمس أصابع روحي البراتا في الدال وأفكر: يا تُرى ما الذي يهمني ويعنيني من هذا المكان، من خورفكان؟

واستطرد: خورفكان بالنسبة لي الآن تكاد تكون كالجبال التي هي أوراق.

خورفكان تكاد تكون ظلاً من ماء لولا أمي. أمي هي خورفكان. هي هذا المكان.

وحين سآخذ أمي معي اليوم بالإسعاف الى أبوظبي لن يبقى من هذا المكان شيء، حتى اسم خورفكان الشائك سآخذه معي ولن يبقى لأقربائي القرويين إلا الكنكريت والقار، وهذا “المطعم/ الفندق” (إذا بقي)، والبحر الغلبان.

لن تبقى لهم أمي شيئا في ذاكرتي، لو نقلتها اليوم سيارة الاسعاف. سيارة الإسعاف التي تنتظر هاتف الوزارة. هاتف الوزارة الذي علي الإسراع الى المستشفى الآن كي يرن.

أترك معطم كالكوت وأقود سيارتي المبتهجة الى المستشفى (على يميني أرى ترميم بيت جدي القديم، إنني لم أرَ المصادفة بهذا الوجه المشؤوم من قبل). انتظر الرنين لكن الهواتف ظلت نائمة طويلا على المكاتب.

حتى الظهيرة. حتى ما بعد الظهيرة، حتى جاء الرنين وقال لي: نحن من المكتب إياه. أرسل لنا تقريرا عن حالة الوالدة - سلمها الله - حتى يتم تقديره من الأطباء الاستشاريين. يعني لن تذهب أمي هذا اليوم؟ لن تسبقني سيارة الاسعاف التي قيل لنا دوماً إنها سريعة؟

فقال مَنْ قال: هل أرسلت التقرير؟ قلت: أرسلته.

قال: لكن لا يكفي إرسال التقرير. اذهب الى ابوظبي وتابع الأوراق واستخدم مواهبك. مواهبي من جديد. ليس لدي مواهب، ولكنني سأذهب.

هرولت بسيارتي الى أبوظبي. في شقتي في ابوظبي على طاولة في شقتي، جلست أنتظر.

بعد يوم رن وقال لي: المستشارون في مستشفى ابوظبي يحتاجون الى الحديث مع الطبيب المستشار في خورفكان وهو لا يرد ولا المستشفى. أعطه رقم الهاتف هذا وقل له من الضروري ان يتصل. عليه أن يتصل، أنا أقول له. حسناً سأقول له، فأنا أعرفه ورقم “موبايله” في جيبي.

كنت قد تعرّفت الى الطبيب المشرف على حالة أمي في إدارة مستشفى خورفكان. كان عراقيا وكان في كل مرة يأتي للحديث عن حالة أمي، يأتي ويدخل الى المكتب الذي أرجعه ومعه زميلته الطبيبة، والعراقية هي الأخرى.

تظهر لي الطبيبة، أو ظهرت لي، أقوى ومفضلة لدى “الإدارة” أكثر من هذا الطبيب القصير الذي يبدو مهتزاً، أو من النوع الذي تأكله أعماقه، أو من الذين نضبوا من البكاء “التاريخي”.

اتصلت بهذا الطبيب فوعدني بالحديث مع الخبراء في مستشفى ابوظبي. وبعد يوم رنّ الهاتف من جديد وقال لي: لماذا لم يتصل بهم طبيب خورفكان؟ فاتصلت بالطبيب فقال لي: حسناً. سأتصل بهم ولكنني أبحث عن الوقت المناسب للخبراء، كي أتكلم معهم، قلت له بلطف أقل: ولكن الخبراء ينتظرون اتصالك وبقلق شديد يا أيها الطبيب، قال: سأتصل إن شاء الله.

مرّ اليوم السابع فرنّ الذي يرنّ وقال لي: لم يتصل. قفزت من أبوظبي الى خورفكان: لماذا أيها الطبيب العزيز؟ لماذا لم تتصل؟ قال لي: سأقول لك بصراحة.. أنا موظف جديد هنا و”رتبتي” الطبية لا تسمح لي بالاتصال ب “رتب” أعلى مني، كالخبراء إلا بموافقة “الإدارة”.

وافقي أيتها “الإدارة” أرجوك على هذا الطلب للسيد الطبيب. قلت ذلك ل “الإدارة” أمامه وأمام تلك الدكتورة العراقية.

عُدت الى شقتي في ابوظبي، وجلست على الطاولة أنتظر. بعد يوم آخر رنّ الذي يرنّ وقال لي: لم يتصل. ماذا؟ لماذا لم تتصل أيها الطبيب؟ قال لي: بعد تفكير عميق رأيت أن هؤلاء الخبراء من المفروض ان يتكلم معهم المستشار في خورفكان، فهم من مستواه، أما أنا...

قاطعته:

- .. ولكن أمي يا طبيب؟

قال:

- المستشار أدرى بحالتها مني.

قلت:

- وكم رقم المستشار؟

قال:

- أنا لا أستطيع إخبارك برقم “موبايله” اتصل ب “بدالة” المستشفى فهم المخولون إدارياً بإعطائك الرقم.

اتصلت. أكثر من مليون مرة اتصلت بمستشفى خورفكان.. ولا أحد يرد.
----------
كتابة ... ورقة السرير (5 - 5)
أحمد راشد ثاني

تنام أمي في الغرفة التي الى جواري حيث أجلس الآن وأكتب. لا هي حية ولا ميتة. انها تعيش في برزخ من الحياة، قضت شهور ممددة على سرير مستشفى خورفكان، وأكثر من شهرين على سرير في مستشفى أبوظبي لكنها الآن في الغرفة التي الى جواري.

مرضها هذا يكاد ان يكون بلا ألم، أو هكذا قيل لي، والمريضة التي بإمكانها وحدها التعبير كما تحسه، فقدت القدرة على ذلك. لكن المحسوس من حالتها يحدث عندما تقوم ميري بتغسيلها أو وضعها على المقعد “عليها أن تفعل ذلك مرتين في اليوم”، حينها تطلق أمي صرخات طفولية تثقب امعاء الروح. خاصة عندما تنطلق تلك الصرخات حقاً ولكن ألمها عجوز جداً.

اقرأ وأسمع بأن فقدان الذاكرة أو تطاير صخرتها من على حفرة الرأس، وفقدان القدرة على التعبير ترجع المرء الى طفولته. أو بما هو أوضح، فإن جزيرة عقله تتلاشى في محيط اللاوعي المدفون، المتجلد، القابع في بئر الشخص ومرايا ظلامه.

لا تكاد تتكلم أمي، أو تذكر أحداً، أو حتى تتذكر شيئاً، كانت في أيامها الأولى في مستشفى خورفكان قد مرت على حدائق الهذيان، كانت كل مرة تردد:

- شو دوا العشق؟

وترد:

- الحب الجديد.

وتضحك عالياً وبلا عمق كمن يسخر من جبل. يا ترى من أين يظهر هذا السؤال، عن أي حب أو عشق تتحدث أمي؟

هل بالامكان الحفر تحت هذا السؤال؟ وإذا ما كان مثل هذا السؤال يصدر عن عصافير ما أو غربان في غابة اللاوعي، فكيف بالامكان الدخول الى القبور الخضراء لتلك الطيور، وفتح مناقيرها على الكلام؟ هذه الاسئلة وغيرها كانت تتطاير في سماء رأسي حين تخرج ميري أمي من الغرفة المجاورة وتجلسها قبالتي في الصالة، قرب الطاولة التي اكتب عليها.

ويبقى السؤال الذي يهتك رأسي كامناً في تلك المقارنة بين فاطمة راشد عبود التي كانت قبل شهور قليلة وكيف كانت، وهذه المتلاشية أمامي على الكرسي الطبي.

هل تكفي ضربة واحدة كضربة الجلطة هذه التي صعقت وشقت رأس أمي وجسدها عن العالم، هل تكفي مثل هذه الضربة القاضية كي تحول الانسان الى مجرد “جثة” حية، “جثة” تتنفس؟ الاطباء بامكانهم قذفي بجملة من أسباب هذه الضربة ويتحدثون بإسهاب عن تكوين الصاعقة، كما بإمكاننا جميعاً التشدق بدقائق الطب وفيما لا ندرك من العلاقة بين الجسد والروح، بين المرض والصحة، لكن ذلك في الحقيقة لا يفسر شيئاً. ما وقع يشبه هبوط الظلام في كأس الشمع، ما وقع شبه طير الحياة الذي تمزق على حبل الكهرباء. قالوا لي، الاطباء وجمهور المعنيين بصحة أمي من أصحابي، بأن حالتها هذه قد تستمر طويلا ولكن بإمكانها التحسن وببطء متى ما ساعدها أناس قريبون عنها: اخواتها، جاراتها، بناتها، اولادها على ذلك. وكيف؟ بالتحدث المستمر معها حول ماضيها، طفولتها حول ما كان يشغلها، ما كانت تفعله، ما كانت تحبه.

ولقد صادف سقوط أمي انتهاء عقدي في الشقة التي كنت اسكنها، ولقد كانت هذه المصادفة من أسوأ المصادفات المداهمة لحياتي، إذ ليس بالإمكان الانتقال من سكن الى آخر ومراعاة امك الميتة الحية على سرير في مستشفى يبعد عن مكان اقامتك مئات الكيلومترات.

لكن كأي أمر سيئ سمحت لي هذه المصادفة بالتفكير أو اتخاذ قرار الانتقال من شقة الى فيلا. فمنذ أن جئت الى أبوظبي وأنا اتقطن متنقلاً من شقة الى أخرى وكان من النادر ان يخطر السكن في فيلا على بالي، فبالرغم من أن طفولتي عاشت على تراب الأرض، على الحافة من رمل الحياة، إلا أنني ومنذ الأول من خورفكان “لطالما هربت” وأنا “اتشقق في الشقق”.

أما الآن فإنه من الصعب على أمي وقد انهارت تماماً السكن في شقة “يبدو لي بأن المصعد لو انتبهت سيظهر لها كالسلالم المهترئة التي ترفع الانسان كي تدخله الى الجحيم”. الأفضل استئجار فيلا، فهي المريضة جداً والذائبة على كرسي طبي، من الأفضل ان تمشي، ولو حتى بحوافر من حديد، ان تمشي على الأرض.

هكذا انتقلت فعلاً للسكن في فيلا. هنا حيث اسكن الآن عدت الى القاع الذي ملأ طفولتي بالاشواك والاعشاب والطيور والحشرات والقطط والكلاب والغربان التي تلبس ثياب الديكة. وعندما مرت على قلبي عاصفة الحب اثقل أحد اغصان الشجيرات التي تحتويها حديقة الفيلا بعذق اسود من ذباب العسل.

الذباب الذي يقطع مناقشاتي عند حماسات الليل، أو ذلك التنور الذي جاء أحد أصدقائي ودفنه في تراب جانبي من الحديقة للشواء. أو حين اخرج هذه الأيام وقد انكسرت شوكة الصيف فأرى اطفال الربع وهم يلعبون على قميم الشجر بينما يتنفس الهواء لما تمر “السايبة” درجة برودة تشبه القبل معطاة للعيون، أو ملقاة في الانف المفتوح لاستقبال هذه العطور النادرة من الصحراء.

نعم كما لو أنني وأنا أمشي على الأرض في هذه الفيلا، كما لو أنني افتح باباً على طفولتي بين الحشائش والاعشاب في ذلك “الحوش” الواسع. المصادفة هنا تخرج من مجرد وهم ثنائية الخير والشر. امي الحية في الموت وأنا الميت في الحياة نعود لنفرش حصيرة أيامنا على رمل الأرض، على أرض الطين، ولندخل معاً، الابن وامه، من ثقب ما الى ذاكرة مفقودة لدينا سوياً.

عليَّ اكتشاف خيط ما كي افتح عالم أمي واساعدها على استرجاع ذاكرتها كي تعيش “حية” في هذه الحياة، فيما تبقى لها من هذه الحياة. علي أن أروي وكلما لم أرو، لم انجح في الروي، لم أمارسه فإن “حياتها” تتلاشى. امي ستتلاشى. لكنني حين أروي لامي، حين استرجع ما اعرف وما لا اعرف، حين اتخيل واتوقع واكذب واصيب واقعاً في حوض الظل واشرب من السراب واحتسي غمامة المرآة.

حين افعل ذلك فإن امي ستعيش، ستعيش من الحياة التي يخلقها لساني، وانني حين أفعل وأمارس هذا فإنني كذلك استعيد العيش الوارق في الموت بهذه الحياة، موتي يصبح اغنى واخصب، يشبه الحديقة المفتوحة على آخر احداقها لفراشات الحلم.

المصادفة كانت أكثر تعقيداً حتى من هذا. فحين انهيار امي وضرورة انتقالي من الشقة المؤجرة حدث ايضاً انفصالي عن زوجتي الثانية. أنني اجلس في الصالة المتوفرة لي من كل هذه الفيلا واسمع الصرخات التي تطلقها امي، وهذا المفترق الذي وجدت عليه حياتي وأنا اقرب يوماً بعد يوم من ذلك السن الموجع، سن الخمسين.

علي فتح أكثر من كوة ومن نافذة في منزل روحي الذي ملأته عفونة الايام الصعبة. علي فتح فم الحكاية، حكاية امي وحكايتي على آخرها كي ينطق الزبد والصخر والماء المتخثر في القافية والدعوى، في الافتاء والصديد، في الماضي والأنانية. وحين افتش رأسي عن بقية أمواج وأكون يائساً من رحمة الظلال، اجد بحراً ما لايزال واقفاً ومصقولاً في داخلي ينادي بالغامر من اصواته على الصخور، على صخور الجبال المغلقة، كي تأتي وتذوب في القعر من هذا الحنان.